خفض الفاتورة الاستشفائية: "صحوة" تهدّد نظام الفساد؟

  • 11 June 2026
  • 2 hrs ago
    • Lebanon
    • POLITICS
  • source: المدن
    • article image
    خضر حسان -

    عند كل محنة اقتصادية أو سياسية أو أمنية، يتفقّد الناس جيوبهم التي يفرّغها التضخّم وارتفاع الأسعار في مختلف القطاعات، بما فيها القطاع الصحّي بأقسامه الاستشفائية والدوائية والمعدات والمستلزمات الطبية وكذلك عقود التأمين الصحّي. وللأسف، تبقى الإجراءات المتّبعة من قِبَل الجهات الرسمية، أقل بكثير ممّا ينتظره اللبنانيون. ومع ذلك، تحاول وزارتا الصحة والاقتصاد اتّخاذ خطوة إلى الأمام في ملفّ الفاتورة الاستشفائية، في ظل الحرب الراهنة وتأثيراتها السلبية على اقتصاد البلاد عموماً والقدرة الاقتصادية للمواطنين خصوصاً. إلاّ أنّ تلك الخطوات المنتظَرة، قد لا تقلب المشهد رأساً على عقب، بسبب ارتباط الملف الصحّي بنظام الفساد الذي يسيطر على القطاعات الحيوية، ومنها القطاع الصحّي.


    أزمة في العمق

    لا يمكن ربط معاناة اللبنانيين مع القطاع الصحّي الرسمي والخاص، بمرحلة استثنائية محدّدة، كالأزمات الاقتصادية أو الحروب، على غرار أزمة العام 2019 أو الحرب الراهنة. فالقطاع الصحّي يعكس أزمة عميقة تطال تركيبة النظام السياسي التي تقوم على التحاصص واستغلال الأزمات لتحقيق أرباح مالية خيالية على حساب الخزينة العامة وجيوب المواطنين، من خلال تضخيم الفواتير ورفع الأسعار وتهريب الأدوية والمعدات والتلاعب بشهادات المنشأ والأسعار الحقيقية، وما إلى ذلك.

    وأمام هذا الواقع، أكّد وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط أنّ "هناك أزمة تتعلّق بالكلفة الاستشفائية، التي ارتفعت وتخطّت مستوياتها ما كانت عليه في العام 2019. وبات المستهلك اليوم يدفع فاتورة أعلى بكثير مما كان يدفعها حتى ذلك العام". وأشار البساط، في حديث لـِ "المدن"، إلى أنّ "مشكلة الأسعار تطال كامل سلسلة الإمداد المتعلّقة بالعملية الاستشفائية، من الطبيب إلى المستشفى ومورّدي الأدوية، وكذلك المعدّات والمغروسات الطبية، إلى جانب الإجراءات الطبية المتعلّقة بالأمراض المستعصية كالسرطان، وصولاً إلى أكلاف عقود التأمين الصحي".

    وللحدّ من التجاوزات، أوضح البساط أنّ "النقاش بدأ مع وزير الصحة ركان ناصر الدين، بالعمل على متابعة الملفّات". وعلى سبيل المثال، "سيكون هناك خطوات لمتابعة مسار المغروسات الطبية، عبر تحديد المقبول منها وغير المقبول، وكيف يتم توزيعها وأي طبيب يستعملها، وذلك لمنع الغش والتلاعب". بالتوازي مع ذلك، سيكون هناك مراقبة لـِ "هوامش الأرباح، على مستوى الأطباء والمستشفيات، وسيتم دراسة الأرباح ووضع رؤية واضحة لها". فضلاً عن مراقبة "بروتوكولات توزيع أدوية وعلاجات السرطان وكلفتها".

    وفي الوقت عينه، ستتابع الوزارتان "اختلاف العلاجات التي يختارها الأطباء، وسيكون هناك مراجعة لبروتوكولات اختيار العلاجات من قِبَل الأطباء. فمثلاً، يسجّل لبنان ارتفاعاً كبيراً في معدّلات اعتماد عمليات الولادة القيصرية، فهل فعلاً قرارات الأطباء صحيحة في كل الحالات، أم أنّ القرار اتخذ بسبب الربح الذي تؤمّنه تلك العمليات؟". وعلى صعيد عقود التأمين "سنتأكّد من الأكلاف وصحّة التغطية". وفي النتيجة "سيكون المستهلك هو المستهدف للتأكّد من أخذ حقّه بالاستشفاء، ضمن الطريقة الصحيحة".

    ولفتَ البساط النظر إلى أنّ "فاتورة الاستشفاء ارتفعت على مستوى عالمي، ولذلك علينا أن نبدأ بأي خطوة لخفض الفاتورة على المواطنين". ورأى أنّ "هذه الخطة تحتاج إلى وقت، لكنّها خطوة من ضمن الخطوات المطلوبة لتحقيق مصلحة المرضى".

    إصلاح بنية النظام

    العناوين كبيرة وتؤمّن مصلحة الدولة والمواطن، لكن هل يمكن تحقيقها على أرض الواقع؟. الإجابة عن هذا السؤال ليست سهلة، لأنّ ما يتّصل بها متشعّب جداً ويطال "النظام الاستشفائي برمّته والنظام السياسي في لبنان"، وفق ما أكّده رئيس جمعية حماية المستهلك زهير برو، الذي أشار في حديث لـِ "المدن" إلى أنّ "حيثيات الملفّ الاستشفائي تطال الوزارات المعنية وشركات التأمين والضمان الاجتماعي والمستشفيات والأطباء من جهة، وما يتصل بالأزمة الاقتصادية من جهة أخرى، لأنّ البلد يمرّ بمرحلة سيئة جداً، ومعظم الطاقات الطبية هاجرت". ومع ذلك، لا مفرّ من "اتخاذ إجراءات للتخفيف من الفاتورة الاستشفائية". وانطلاقاً من موقعه كطبيب أيضاً، أكّد برّو أنّه "تم عقد جلسات مع وزارة الصحة لبحث هذا الملفّ، وهناك حلول يمكن طرحها، إلاّ أنّها لن تمسّ بجوهر النظام الاستشفائي، لأنّه متّصل بالنظام التحاصصي السياسي".

    وبرأيه، إنّ هذا الملفّ "يشبه إلى حدّ بعيد ملفّ المصارف وأيّ قطاع يؤمّن مداخيل للفئات النافذة في النظام السياسي". وإذ يرحّب برّو، بالخطوات التي يمكن لوزارتيّ الصحة والاقتصاد اتخاذها للتخفيف من الكلفة الاستشفائية على المواطنين، إلاّ أنّه في الوقت عينه يرى أنَّ "الحلّ الأمثل يكون بالاتجاه نحو تقوية القطاع الاستشفائي العام والاستثمار فيه لرفع نوعية خدماته لتنافس القطاع الخاص بجدية". والقطاع الخاص بنظر برّو "يقوم تاريخياً بالتلاعب بالفواتير الاستشفائية وتضخيمها". ولذلك، من المؤكّد أنّ الحلول موجودة "لكنَّ قراراتها يجب أن تذهب نحو السياسات الكبيرة، ومنها الاستثمار في القطاع العام". ومن دون ذلك، "ستبقى الاقتراحات ثانوية، ولن تغيّر الواقع جديّاً".

    الإشارة إلى القطاع العام، تحيل إلى ضرورة الاستثمار في المستشفيات الحكومية وتعزيز دور الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الذي يتعافى جزئياً من آثار الأزمة الاقتصادية وانهيار سعر صرف الليرة منذ العام 2019. فالتغطية في المستشفيات ارتفعت من 75 إلى 90 بالمئة. ويحرص الصندوق على دفع مستحقات الأطباء والمستشفيات دورياً، عبر سلفاتٍ ماليّة تغطّي العمليات الاستشفائية للمضمونين. لكن في المقابل، فإنّ اتخاذ خطوات تمسّ بمصالح نافذين في القطاع الصحي، أمرٌ يعتبر بمثابة صحوة تهدّد النظام القائم، وتستدعي تكاتف النافذين، على حساب المتضرّر الحقيقي، وهو المواطن. ورغم ذلك، قد تكون بعض الخطوات الإصلاحية ضرورية، انطلاقاً من المثل القائل: "لا يموت الدّيب ولا يفنى الغنم"، ما دامَ تغيير بنية النظام التحاصصي، بعيد المنال. ولذلك، يُحال الحكم على النقاش الذي بدأ بين وزارتيّ الصحة والاقتصاد، إلى النتائج التي ستظهر على أرض الواقع مستقبلاً.